الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
89
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
يقتدى بكم أتباعكم ، فتكونوا حاملين لأوزاركم وأوزارهم ، كما قال تعالى : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [ النحل : 25 ] ، والجهال لا يقتدى بهم ، فلا يكونون أول الكفار ، خاطبهم اللّه تعالى ، وأمرهم أن يذكروا نعم اللّه عليهم ، استمالة لقلوبهم ، وتحريضا على أداء شكرها ، وتوبيخا على إعراضهم عنه ، وأمرهم بعد تذكير النعم أن يوفوا بعهوده ؛ ليكونوا أئمة في الإيمان به ، عليه السلام ، وبما أنزل عليه . نعم اللّه على بني إسرائيل : والنعم على بني إسرائيل كثيرة ، منها أنه تعالى استنقذهم من فرعون وقومه ، وأورثهم أرضهم وديارهم ، وأنزل عليهم الكتب ، وجعل فيهم أنبياء ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، وهذه النعم وإن كانت على أسلافهم ، فهي نعم عليهم أيضا ؛ لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء ، من حيث إن الأبناء يشرفون بشرف الآباء . وقيل : أراد بالنعم ما أنعم اللّه به على آبائهم وعليهم ، حيث أدركوا زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبناء على هذا يكون انتظام الآية بما قبلها حسنا جدا من جهة أنه تعالى لما عرض لهم من أول هذه السورة إلى هذا الموضع مرارا متعددة ، حيث ذكر نفاقهم ، وعذابهم الأليم على هذا النفاق ، وعدد ما أنعم به على كافة البشر من نعمه العامة التي من جملتها تكريم أبيهم آدم ، عليه السلام ، وأنكر قبح حال من يكفر باللّه الذي أنعم بمثل هذه النعم ، ثم خاطب الكل بقوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 38 ] . ومن هنا كان تخصيصهم بالخطاب من بين المخاطبين بعد ذكر الخطاب العام في قوله سبحانه : يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] حسن الموقع جدا من حيث إنهم قد آتاهم الهدى ، وتمكنوا من الانتفاع بالنعمة العظمى ، وهي نعمة من أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين في وقت اختلافهم وتغييرهم الكتاب ، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا ، وقد خص أسلافهم من جلائل النعم بما لم يظفر بمثله أحد ، فأمروا بشكر هذه النعم حتى يكونوا ممن أدى شكر سوابق النعم ولواحقها . ولم يرض بعض العلماء بهذا القول بناء على أن حمل النعمة على ما ذكر يحتاج إلى